[b]
نحن من يصنع الجبابرة
ولد الناس أحرارا، بلا قيد يكبل أيديهم أو لجام يطوق ألسنتهم. هذه حقيقة مما يجمع الناس عليه و لا بقول بخلافها إلا سفيه أو معتوه.
ومع ذلك فإنني لا أفهم كيف يخاف بعض الناس من قول كلمة الحق و التعبير عنها أمام أي كان. و أعجب من ذّلك أن يتضايق بعضهم من سماع الرأي المخالف وكأن الناس خلقوا على نمط واحد في تفكيرهم و قناعاتهم و اختياراتهم.
في التنظيمات المحترمة، يعتبر الاختلاف مصدر قوة و غناء. فكلما تعددت الآراء و تنوعت، اقتربنا من الصواب و قل هامش الخطأ و الزيغ عن الطريق. و متى سيطر الرأي الواحد وكممت الأفواه، فبشر الناس بالاستبداد و طوامه والظلم و مصائبه والانحدار إلى أدنى دركات الإفلاس و البوار.
قبل يومين، وقف رجل غيور على مصالح العمال، حريص على قوة مؤسسات العمل النقابي، ليعبر عن رأيه في رفض الخروقات التي شابت الانقلاب الحاصل على المكتب النقابي المحلي داخل مقر الإدارة العامة فقمع ومنع من التعبير عن رأيه، عوض أن يحاور ويقابل بالحجة و الدليل.
فهل مازال فينا من يعتقد أن لأسلوب الوعوعة والبلطجة مكانا في نقابة القرن الواحد والعشرين؟ أبهذه المنهجية يمكن أن نصنع مناضلين لهم القدرة على مواجهة التحديات الجسيمة التي تنتظر بل تحذق بجامعتنا "العتيدة".
إن من يرفض الحوار و الرأي المخالف لا يمكن أن يؤتمن على مصالح العمال مهما كانت مؤهلاته الشخصية "إن وجدت" و مهما بلغ رصيده النضالي "إن وجد"، لسبب بسيط وهو: أن رفض الحوار يِؤدي إلى الاستبداد و الاستبداد يؤدي إلى الخراب المحقق و لو بعد حين.
هذا الحدث ليس معزولا، ليزعم زاعم أنه فلتة غير مقصودة أو استثناء يجب أن يغتفر. فما نعيشه هذه الأيام وما نعاينه في إطار التهيئ "للمؤتمر" من تهديد للمناضلين بأن لا يروا إلا ما يراه "الزعيم" ولا يقولوا إلا ما يرتضيه لهم، هو ضرب في الصميم لأسس العمل النقابي ومبادئه، ودليل قاطع أننا نعيش واحدة من أسوء حلقات الاستبداد داخل الجامعة النقابية لعمال الطاقة.
أرجع إلى حدث اجتماع المجلس النقابي المذكور، لأسأل الإخوة الحاضرين في هذا الاجتماع:
أين واجب التضامن مع أخ مناضل يتجاوز حاجز الخوف الذي يمنع الكثيرين من التعبير؟
ألم تكن الفرصة سانحة ليعبر كل عن موقفه مما يجري بصراحة؟
من لم يستطع شيئا من ذلك فليعترف للرجل بحقه في التعبير، فإن لم يستطع فليراجع نفسه وليستغفر من تخاذله. و ذلك أضعف الإيمان.
وللذكرى فقد جاء في الأثر، أن الساكت عن الحق شيطان أخرس. أتدرون لماذا؟
لأن الشيطان الأخرس يصنع الجبار الأطرش.
[/b]